Saturday, September 11, 2010


لا شئ إلّا ظلّي

Saturday, August 28, 2010

أربعة أحلام قد يكون بينهم رابط ما


(1)
الأرض مصقولة، وجليدية. برودتها وصلت إلى حد أن أفقدت أعصاب قدمي الإحساس بأي شئ فتصلبت. ملساء جدّا، وعليها بضع قطرات ندى تجعلها زلقة.المشهد كُلّه يُغلفّه الصقيع بزرقة بينّة. وأنا أسير بلا حذاء. أخشى الإنزلاق.أرفع إحدى قدميّ بصعوبة وأُحركها قليلا للأمام ثم أضعها بصعوبة أكبر، لأرفع الثانية. الطريق أمامي لامع ولا تظهر نهايته.
من بعيد أسمع دقّات طبول الحرب، بطيئة، رتيبة، وحاضرة بقوّة. "دُم دُم .. دُم" .. "دُم دُم .. دُم". يُشتت صوتُها تركيزي وأتلفّت بحثا عن مصدرها ولكنّي أنتبه إذ كنت على وشك الإنزلاق وبالكاد تمالكت نفسي. أسمع وسط دقّات الطبول أنين ناي هادئ. يظهر ويختفي. يظهر ويختفي. أشرد معه في محاولة الإمساك بلحنه، فتزل قدمي وأنزلق. يرتطم ظهري بالجليد البارد فأغمض عينيّ.
أفيق برعشة في أسفل ظهري. وألم في كل مكان.
***
(2)
هذه المرّة كان الظلام. لا أرى إلّا كفيّ يدي وألمح طرف أنفي. وفي الخلفية يظهر صوت الناي بعيدا. أتلفت بحثا عن أي مصدر نور فيطالعني الوجه الذي أعرفه. لا يظهر إلّا وجهه وكفيّ يديه ويغرق باقي جسده في الظلام. يُقطّب حاجبيه ويمّط شفتيه لأعلي قليلا ، ثم يفردهما حتّى تظهر أسنانه فيما يشبه الإبتسامة –وليست بالإبتسامة- وتضيق حدقتا عينيه وهو يشير بطريقة العارف الذي سيقر أمرا. ثم يتكلم فلا أسمع شيئا. أبحلق في وجهه وشفتيه بلا تعبير واضح. أطرقع بيديّ جانب أذني فأسمع الصوت. ألوّح له أنني لا أسمع فيمتعض ثم يسكت. أعيد طرقعة الأصابع مرّة أخرى وألوّح له بعلامة النصر وأفهمه بالإشارة أن يفعل المثل. يطرقع بإصبعيه فأسمع. وألوّح له بالنصر في عدم فهم. يشيح وجهه ويأخذ نفسا عميقا ثم ينظر لي مرّة أخرى. يعيد طقوس الحاجبين والشفتين مرّة أخرى ويبدأ الكلام. ومن جديد لا أسمعه فأغمّض عينيّ.
وأصحو من النوم بصداع هائل وأطراف جمل بصوت لا أعرفه ترنّ في أذني.
***
(3)
الآن، الصحراء. جبل شاهق من الرمال. الحرارة لا تحتمل والأصفر يصبغ كل شئ. قُرص الشمس ينتصف تماما فوق قمّة الجبل. أنا في سفح الجبل أحاول الوصول لقمته. الرمال ناعمة جدّا تفر من تحت قدميّ، وثمة حشرات صغيرة لزجة تنطلق هاربة من كل بقعة أطأها بقدمي.
من بعيد أسمع طبول الحرب. بطيئة، رتيبة، وحاضرة بقوّة. "دُم دُم .. دُم" "دُم دُم .. دُم". أتلمّس صوت الناي فلا أجده. أُحاول تذكّر لحنه فأنشغل عن الرمال. تطأ قدميّ بقعة مُخلخلة فتزلّ. أنظر للشمس البعيدة وأنا أهوي فتبعُد أكثر. الجبل ينهار وأُدفن تحته. فأغمض عينيّ.
أصحو وجسدي مُلتهب جدّا تنتابه حكّة مؤلمة. وأشم رائحة رمال في أنفي تزكمه.
***
(4)
ذات الظلام، وذات الوجه. والناي يئن من بعيد. ضيّق بين حاجبيه ومطّ شفتيه ولوّح إيذانا ببدء الإقرار. وقبل أن يبدأ بالكلام، أغمضت عيني.
ولمّا أفقتُ كنت قد حفظتُ لحن الناي فرُحت أُدندنه لنفسي.

Saturday, August 21, 2010

Wednesday, August 11, 2010

فوتوغرافيا

حن ع القُلّة .. ده الغريب حنّ


here comes the sun ..


توحُّد


one day I'll fly away ..





ومركبنا تايهة .. مش لاقية بر


تشويش





يا روايح الزمن الجميل .. هفهفي


ايه اللي بينورلي زي السراب .. إذا كنت لسّه داخل السرداب؟


أحلام بهتانة ع الحيطة .. نفسها تثبت وجود

Tuesday, August 10, 2010

طقوس ختام الصلاة لأنثى مثلي

إصراري على آخر نفس في السيجارة، رغم لسعته .. نشوة آخر ضربة قدم على الأرض، والإنحناءة الأخيرة قبل نهاية الرقصة .. دغدغة ذرات البن عند ملامستها للساني في آخر رشفة من كوب القهوة المحوّجة .. الرغبة التي أنهار أمامها دون مقاومة في أن أدفع آخر جنيه أمتلكه لبائع التمر هندي الوسيم على ناصية شارعنا .. الرجفة الممتعة عند وصولي لآخر صفحة في رواية أقرأها وتستغرقني .. رعشة قلمي وأنا أخط به آخر سطر في قصيدتي الغريبة قبل أن أجر خطا لأسجل تحته تاريخ اللحظة التي انتهيت فيها .. الإبتسامة المشرقة حتى في أقسى الظروف الجوية، التي تنير وجهي في لحظة تلامس قدميّ مع السلمة الأخيرة قبل خروجي من باب العمارة الحديديّ الأسود .. إغماضة عيني، وخفقان قلبي وأنا أستمع لغناء طيور تعلن بسعادة لا تضاهي سعادتي تقهقر خيوط الليل الأخيرة أمام الشمس المزعجة .. صفحة الجريدة الأخيرة التي تكتسب معي أهمية الصفحة الأولى، لأني لا أبدأ بسواها أبدا .. صوت القارئ الذي ينخفض إيقاعه مع إقترابه من نهاية قرائته .. ووقفته الفجائية الممهدة عند آخر آية .. التي دائما ما تكون أكثر آية تلمسني .. آخر ضربة قوس على أوتار الكمانجة قبل نهاية المقطوعة ووصول مشاعري لذروتها قبل انتهاء عازفها من إثارتي .. إنحسار موجة بلهاء عن رمال الشاطئ، بعدما ضربتها في جنون .. مخلفة بعد انتهائها، رمال أنعم .. وذكريات جديدة ..

لكم عشقت نهايات الأشياء .. عشق ليس مرادفه كره البدايات .. وانما ذوبان في اللحظة التي ينتهي عندها كل شئ .. ليبدأ من جديد ..

من النهاية يمكنك أن تبدأ .. ومن النهاية يمكن أن ترى كل شئ .. ولكن من البداية، لن ترى شيئا .. فالبدايات على الدوام، صدقني، خادعة .. لا تملك جرأة النهايات في الإفصاح .. والنهايات لها من سحر الغموض، ما يجنبها فضح نفسها قبل أوان القطف .. قبل لحظات التنوير التي ترى فيها حقيقة ما حدث ..

من النهاية، يمكنك أن تفهم وتعرف كل شئ .. ومن البداية، لن يمكنك شيئا ..

طقوس الختام .. تناسب أنثى ملولة مثلي .. تلخص لي كل ما حدث .. في براعة مدهشة .. فأنثى مثلي، رغم استمتاعها التام بكل فصول الصلاة، لا تطيق شوقا للنهاية ..
وعلى الرغم من أني أفشل دوما في توقع النهايات، إلا أنني لا أتوقف عن الحدس بها .. أعيش بدايات الأشياء، لأفشل في تخمين نهاياتها .. هواية لا أمل منها ...

من يعرفني (حقا) .. سيعرف أنني لا أفسد على نفسي التمتع بفصول الصلاة بهوايتي تلك .. وإنما أنا فقط، أضفي عليها طابعي الخاص .. لأجعلها صلاتي أنا .. التي لابد وأن تختلف حتما عن باقي الصلوات ..

ولا أحب النهايات المفتوحة .. لأنها ليست نهاية .. نهاية مزيفة .. لا ترضي شغفي بها .. ولا تعوض انتظاري لها .. أكرهها، كرهي لمناطق الظل الرمادية .. حيث يبهت كل شئ .. وتضيع من الصلاة قدسيتها مللا .. ويفقد الأبيض عذريته من إغتصاب الأسود لطهارته .. ويبهت بريق الأسود بإنتهاك الأبيض لحرمة قتامته ..

ولكنني، على قدر استمتاعي بإنتظار النهاية، يصيبني الملل أحيانا .. إذا بعدت النهاية وطالت .. فأنهي الصلاة بنفسي .. مكتفية بما أديته من فصول .. معتذرة للرب .. الذي يتفهم تهوري .. ويغفر لي ..

لذا دعني أنصحك نصيحة .. إذا أردت الإحتفاظ بأنثى مثلي .. تعشق النهايات .. فعجّل بها .. ولا تطيل فصول الصلاة
الوسطى ذات الظلال الرمادية المملة .. حتى لا أنهي أنا الصلاة .. من دون إعتذار، هذه المرة
-------------
النص قديم جدّا .. منذ شهور عديدة .. لكنّي وضعته الآن لأنني في طريقي لغلق أي منفذ آخر للتعبير عنّي سوى هذه المدونة .. فلابد إذن من نقل كُل الأغراض من كُل الأماكن الأخرى .. الأغراض التي أُحبها فقط

Sunday, August 8, 2010

الخيوط إذ تخدعنا .. فننخدع

تأخذنا الحكايات إلى بداياتها. تأخذنا التغييرات إلى حيث التقينا. إلى مبتدأ كُل شئ. نُحاول فك خيوط اللعبة. نبحث عن اللحظة التي تحولت فيها المخططات والمقادير. عن اللحظة التي لم نعد فيها نحن وصرنا آخرين. الخيوط متشابكة. متداخلة بشكل يجعل حلّها أشبه بأمل العثور على الكنز في المكان الذي تعلم علم اليقين أنّك لم تخبئه فيه.

نحاول إيجاد طرف الخيط. نمسك أحد الخيوط عشوائيا. يقنعنا أنّه البداية فنستسلم له. ومع النقدّم وتكشّف الكثير من المستتر، نقتنع أكثر أنه بالفعل الخيط الأساسي، الذي منه انبثقت كُل خيوط الحكايا.

نسير ونسير وقرب الوصول، عندما تلوح لنا رايات النهاية، نسقط من الإجهاد. وعندما نصحو صحوة الموت الأخيرة، وننظر لما وصلنا، نكتشف أنّه ليس خيطنا المنشود. خدعنا. ندعو الله مبتهلين مخلصين له الدعاء أن أعدنا هذه المرة فقط. يالله، مرة واحدة أخيرة. لئن أعدتني هذه المرّة لأبحثن عن الخيط الصحيح. يالله، امنحني القدرة على العودة من جديد. يُشفق الله علينا أن ننتهي، فيستجيب. الله حنّان منّان مُعِزّ. يسقينا ماء الصحو فنعود مرة أخرى يمزقنا الشوق إلى بدايات الخيط الحقيقي. ونُقسم في كل مرّة أنّها آخر مرّة. أننا سنتريث المرّة القادمة. سنفكر. لن ننخدع بهذه السهولة. وما ان تظهر الخيوط أمامنا حتّى ننسى كل شئ، ونندفع وراء حنينا المرَضيّ المتوغل، فنمسك خيطا آخر.

في إحدى مرّات دعائنا، مُخلصين الإيمان موقنين في الإجابة، وعندما انفتحت في السماء فرجة صغيرة لتسمح بعبور الدعوة، يعبر إلينا ملاك من ملائكة الله. يُنبهنا أننا نتسرّع. يقول أن قد غرتكم الأمانيّ ونسيتم الحق فأنساكم أنفسكم. ولكننا لا نلقي له بالا. نتهم الملاك بالغيرة منّا، إذ يمنحنا الله - من دونه - من بعد سقطاتنا بدايات جديدة ويبدّل خوفنا أمنا ويرزقنا خيوطا من حيث لا نحتسب. ينصرف الملاك باكيا يشكو إلى الله عنف الإنسان وحماقته.

نسير ونسير، نتعثّر في الخيوط ونستسلم لغواية الانحداع. نظل نبحث وراء كل الخيوط. نلهث وراءها. تلفنا الخيوط ونتوه في مداراتها وجدائلها.

ذات مرّة، نصحو صحوة الموت الأخيرة لنرى أنّه الخيط الخطأ كالعادة. فلا نندهش ولا ننزعج. نبتهل إلى الله مرة أخرى. لكن الملاك الحزين يخبرنا أن يا انسان قد أنفذت محاولاتك. ندعو: يالله .. لم يبق إلّا خيطا واحدا. هو الخيط الصحيح. دعنا نعُود لنختاره. يالله ارحمنا. الله قادر قاهر مُذلّ، يغلق سماواته دوننا. نلتفت إلى الملاك: أيا أيّها الرقيق النقي .. نجنا مما نحن فيه .. اشفع لنا عند ربّك فإنّك بلا خطيئة. يُجيبنا بأن لي خطيئة .. إذ عبرتُ من فرجة السماء إليكم دون إذن بارئي. ويكفكف دمعه ويرحل عنّا ليعبر من فتحة السماء الضيقة قبل أن تنغلق. قبيل انطباقها، يُسمع صوتً مُدوّي: أن يا انسان .. قد كذبّت الرؤيا .. وأبكيت الملائكة .. وما ظلمناكم ولكن كنتم أنفسكم تظلمون.

يالبؤسي .. قد اخترت كل الخيوط عدا الخيط الوحيد المؤدّي. قد أضعت كُل محاولاتي ولم أصل لشئ.

وإذ أنا في سكرتي، والدمع يُغرق المكان حولي، أرى فيما يرى الميّت، خيوطي التي اخترتها تأتي إليّ. أخشاها. أرتعد. أحاول الفرار فلا أفر. أحاول الصراخ فلا أصرخ. تلتف الخيوط حولي، تحيط بي. تلفني كالشرنقة للدودة الوليدة. أنا مت فكيف لي أن أولد من جديد؟ يجيبني العدم أن اصمت وارضخ. أختنق داخل الشرنقة. أموت في الموت مرّة أخرى. وأصحو من ميتتي هذه لأجد الشرنقة قد تحطمّت. أحاول الطيران فلا يسعني قبري.

يسألني الشيطان روحي/ خيوطي مقابل أن يحييني فأرفض. ثم أقبل. ثم أرفض. وأقبل في النهاية. الرَجيم أقنعني. أخذ روحي وعدت إلى الحياة دونها. بحثت عن الخيط الوحيد المتبقي ووجدته. لم يوزعوه في الميراث إذ لاحاجة لأحد فيه. أتعقبّه وأسير وراءه لأجده يُفضي إلى الموت المسالم. أرضى بهذا الخيار متعبا. أحاول الموت مرارا فلا أمت. أعيد المحاولة ولافائدة. يرفض الشيطان أن يعطيني روحي التي أخذها لأموت بها. حتّى بعد أن عرضت عليه الخيط الأخير مقابلها.

ألا لعنة الله على الخيوط جميعا .....

Friday, February 26, 2010

رسائل

سُئلت مرة وأنا صغير ماذا تريد أن تكون؟ قلتُ أريد أن أكون كاتبا. والآن وأنا في منتصف العمر لو سُئلت ماذا أنجزت؟ لقلتُ بإعتذار شديد: أريد أن أبدأ من جديد. ولربما تمنيتُ البداية من جديد ليس للسير في طريق آخر بل لإختيار الطريق ذاته لكن بتعديلات طفيفة يفرضها عليّ المرض ويعول عليها في بلوغ كمال هو عربون ضمان قبل أي بداية.

أنطق كلمة بصوت مسموع من المفترض أن تكون ردّا على كلمات لكِ سابقة ولاحقة. كلمة واحدة أنطقها وأنا مغمور في أعمال منزلية. الكلمة جامعة مانعة تصلح للرد على كلِ كلماتِك، إذ سيكون من الجنون أن أنطق أكثر من كلمة على مسمع من الصمت.

لم أكن أتخيل وأنا صغير أنني سأقع في كل كليشيهيات الكاتب التي قرأتُ عنها بشغفٍ وتمنيتها بسذاجة وكأنها كانت تمثل لي تذكرة دخول وجرن معمودية الأدب. الوحدة، الخوف، السوداوية، النفور الشديد من المسؤولية، المرض، التفكير في الموت، الإخفاق في الحياة، الولع بالحب والفشل، قائمة طويلة تعود دائما بتوزيع مختلف، نوتة واحدة، وسولوهات عديدة. والسؤال المعذِب والمدوِّخ للروح. هل كان هذا الوقوع حتميا ولا مفر منه؟ وإذا كان، هل هذه ضمانة يمكن الوثوق بها للوصول إلى فنيّة التعبير؟وهل تلك الفنيّة مرتبطة بصدق الكليشيهات نفسها ومدى الانغماس فيها؟ وهل هذا الانغماس حُجة على فنيّة التعبير؟ أليس هناك كثيرون مروا بمرض نيتشه لكنهم لم يعبروا مثله؟ ألا يصح كما يقول نيتشه بأنه من داخل المرض يأتي التعبير عن عنفوان الصحة البدنية والعقلية؟ ولكن ألا يهدم كتاب نيتشه "هذا هو الإنسان" مقولته عن الصحة التي تشدق بها؟ وأين نضع البارانويا المخيفة في هذا الكتاب موضع الصحة؟ السؤال لا ينتهي والجواب محال.

مريم.. لستُ مقتنعا بهذه الكلمات، لا تقولي الضد، فأنا أوجد على هامش ما أنتمي إليه كما يقول بيسوا، وإن أظهرت لكِ الجدل مرارا، فهذا بدافع الحب، فالقناعة مفقودة، والرضا غائر، وأنا هنا وأنتِ هناك.

الرسائل - مصطفى ذكري

Friday, January 15, 2010

ملابسات يوم طويل يسبق امتحاناً

أجلس على المكتب أتأمّل أوراق مادّة سأمتحنها صباح الغد. أفكّر بأنّه ليس الوقت المناسب إطلاقاً للإمتحانات. وخاصّة في كليّة مثل هذه الكليّة الحقيرة. و أووووووووووووووووف ...

تملؤني الرغبة في أن أستلقي على كرسيّ في البلكونة أتلذذ بشرب كوب قهوة – من البن العبقريّ الذي اشتريته – وأقرأ رواية عبقريّة، رأيتُ رام الله أو حتّى أعيد قراءة عشّاق خائبون .. وأستمع في هذه الأثناء لموسيقى عبقرية، سعاد ماسّي أو الشيخ إمام. وثم وبعد انتهائي من القهوة، أنتقل لمشاهدة فيلما على الكمبيوتر، أشاهد فيلما ايرانياً أو إيطالياً .. ثم أعيد مشاهدة كازبلانكا .. وأسمع أغنية
As time goes by
سبعين مرّة .. وعندما أنتهي، أرتحل إلى شوارع وسط البلد ..

أدخل سينما .. "بالألوان الطبيعية" للمرّة الثانية .. أو عصافير النيل إن كان معروضاً .. وأنطلق للتكعيبة بعدها، أحتسي شاياً بالحليب أسقّي فيه البسكوت بإستمتاع طفولي بحت .. ثم ألتقي بمن ألتقي بهم على التكعيبة .. أسمع طرطشات حديث عن أشياء عادية، وسخيفة أحيانا .. وأنشغل عنها بمحاولة كشف ما تخفي عيون هؤلاء الناس .. أبحث منطقهم وأسبابهم .. أتسائل عن المدعّي منهم والحقيقيّ .. وأبحث عمّن لا ينتمي منهم لهذه الأجواء، ولكنّه وجد نفسه وسطها واضطّر لتصديق نفسه ..

عند مرحلة معينة من الكلام، أستأذنُ في الإنصراف وأذهب إلى "البورصة" لأتابع مباراة كرة قدم بين فريقين افريقين لا تهمنّي نتيجتها في شئ .. أسمع أحد الجالسين يتحدّث في شماتة ظاهرة عن خسارة الجزائر لمباراتها الأخيرة .. فأترك المباراة لأنشغل بنفسية المصريين .. كيّف يفكرّون وكيف يتصرفّون تجاه المواقف .. وكيف أننا شعب لا يمكن التنبؤ بردّ فعله .. وأننا شعب غلبان ومسكين جدّا في النهاية .. حتّى لو ثار يعود للهدوء بعد قليل وكأن شيئا لم يكن .. شعب يمكن الضحك عليه بكلمتين منمقتين أوعلاوة في أسوأ الظروف ! ..

أملّ المباراة، فأقرر الذهاب للزمالك سيراً على الأقدام .. وعندما أصل، أدخل إلى الساقية .. أتفقد القاعات فلا أجد شيئا ذا قيمة يمكن حضوره .. أقابل صديقا قديما .. يرحبّ بي بشدّة وأجاهد في البحث عمّا يمكن قوله، فأفشل .. أنظر إليه وفي عينيّ رجاء أن يفتح حوارا، فيسألني عن سبب مجيئي للساقية فأخبره أنه لا شئ .. فيخبرني أنّه هنا مع المكتبة التي يعمل بها حيث يقيمون حملة دعائية .. أسرح من كلامه لأحقد عليه .. تخرّج ويعمل وفي مكتبة ويخرج في حملات دعائية ويقابل أًصدقاء قدامى ويعرف كيف يرحب بهم وكيف يفتح معهم حوارا !! ياله من محظوظ ! .. استأذنني في الإنصراف حتّى لا يفتقده رئيسه .. إذن فهو من الأهمية حتّى يفتقده رئيسه كذلك !! ..

أودعّه وأدلف لإحدى القاعات لأجدهم يعرضون فيلماً قصيراً، وسيئاً للغاية ! .. وقف مخرجه في نهاية القاعة فخوراً منفوشا كديك رومي في موسم التزواج .. ابن المحظوظة هو الآخر ! .. أتأمل العدد الكبير من الحضور الذين يبدو واضحا عليهم الجهل ... الفيلم سخيفا ومملا لمرحلة لا تطاق، فلماذا إذن يشاهدونه بهذا التركيز؟ .. انصرفت عنهم للبحث وراء فكرة إن كان هذا المخرج لا يعرف حقّا – بهذه الإبتسامة المنتشيّة - أن فيلمه سيئ ؟! من أين يأتيه هذا اليقين في ما يقوم به؟ أم أنّ فيلمه جيّد وأنا الشخص الوحيد في العالم الذي لا يفقه شيئا ويقضي حياته متصنعا التأمّل والفهم؟ .. أعطي للفيلم فرصة أخرى وأركّز مع أحداثه ... لا لا، سيئ بحق ! .. أفكّر في أن أغادر القاعة، ولكنّي أخشى أن يحرج هذا المخرج .. وهل يستحق هذا المنفوش ابن المحظوظة هذه الخشيّة؟ .. أفكّر في السبب وراء فعل ما .. هل نفعل الشئ للفعل نفسه ونتائجه أم نفعله بإيعاز من الظروف والملابسات التّي تحيط بالفيلم؟ .. لو كان الفيلم جيّد والمخرج معروف وأنا أرغب بشدّة في تناول كيس شيتوس، هل كنت سأخرج؟ .. أيهما أصحّ أخلاقيّا؟ .. أفكّر في المعيار الأخلاقي الذي أبني عليه .. ولكنّي أفيق على صوت تصفيق الحضور وانتهاء الفيلم .. الحمد لله !

في تترات الفيلم، أرى اسم المخرج .. آهااااااااااا .. ابن صحفيّ كبير هو .. وتخرّج من معهد السينما .. كنت على حق .. هو ابن محظوظة فعلا ! .. أندفع للتفكير في أنّ هؤولاء الذين يولدون لأقرباء من هذا الوسط، نادرا ما نجد فيهم موهوبا مختلفا بحقّ .. قد يعيش عمره كلّه ثم يكتشف في النهاية أنّ مكانه كان في مدرجات كليّة الطب ومشرحة القصر العيني .. مساعدة أقربائهم لهم تضيعّهم .. وحتّى المتميزون منهم يكون عليهم – مع هذا – بذل مجهود كبير لإثبات تميّزهم بعيدا عن مساعدة ذويهم .. ولكنهم على الأقل يوفرون عناء البحث عن بداية الطريق بأنفسهم .. ولكنّ البحث عن بداية الطريق هو أهم جزء من الطريق نفسه .. وهم يخسرون بهذا قيمة كبيرة جدّا ... أيّأ كان !!!!!! .. الفيلم كان سيئا .. والمخرج ابن محظوظة وربما ابن كلب كذلك !! ...

تأخذني قدميّ إلى "ديوان" الزمالك .. أقف قليلا بمجرّد الدخول .. ويأخذني صوت كاميليا جبران إلى عالمها .. ثم أنتبه إلى الكتب الكثيرة المتراصّة .. أمسك كل كتاب وأقلبُه لأرى سعره .. ثم أقرأ اسمه واسم كاتبه بعدها .. أشتري "فردوس" لـ "محمد البساطي" بثلاثة جنيهات .. وأقرر العودة لشوارع وسط البلد عبر الكوبري لأتمشّى على النيل.

أذكر أنني في وقت مضى، كنت أحب البحر أكثر من النيل .. كنت أشعر به أكثر بهجة وكانت كآبة النيل تخنقني. ولكنّي لم أعد أحبّ البحر بذات القدر .. عشقت سكون النيل ووضوحه أمام ذاته .. البحر طوال الوقت غاضب .. ينشغل عن بحث أسباب غضبه بالغضب نفسه .. وحتى في أوقات صفائه، منفعل .. النيل هادئ يتأمل في صمت. النيل عرِفَ، فلم يجد سببا للفرح .. يبتسم ابتسامات صغيرة تحرّك أمواجه برفق. البحر مازال جاهلا .. النيل حملَ هموم العالم وحزنه وهموم الواقفين حوله يتأملونه في صمت .. البحر طرد كل شئ مع أمواجه إلى الشاطئ .. النيل ذاتيٌّ جدّا، منغلق على نفسه .. يمرّ ببلاد سمراء كلّها .. أنهكتها الشمس والفقر والهموم .. وارتبطت ببعضها بهذا الشريان الأسود .. خيط رفيع على الخريطة .. ومع ذلك، مروره في بقعة ما، يحمل معه إليها الخيّر والخصب والنماء .. النيل يصمت عمّا يُلقى فيه .. وحتّى ثورته في الفيضان، تحمل يعدها خيّر أكثر؛ يكفّر به عن هذا الغضب .. البحرُ منتشر .. عوْلَميّ .. يربط بلادا لا تربط بين شعوبها هموم مشتركة .. واسع جدّأ .... ومالح .. لا تُشرب مياهه إلّا بعد مجهود في تنقيتها .. ويظلّ لها طعم الحسرة .. وفوق كلّ هذا، لا يحفظ سرّا في أعماقه ..

أفكّر في أن هذه الأفكار حول البحر والنيل تصلح كنواة لقصيدة سأكتبها عندما تكتمل في داخلي .. أغمض عينيّ وأتمنى أن أركب مركبا من مراكب الفراعنة يأخذني في رحلة من منابع النيل إلى مصبّه .. شريطة أن أكونَ فيه وحدي ..

أعود إلى التكعيبة، فأجد ذات الحوار الذي تركته من أربع ساعات .. أنشغل عنهم بسؤال نفسي عن سر هذه الوحدة والغربة التي تملؤني .. ولماذا أِرى أن الحياة سيئة إلى هذه الدرجة؟ وهل أنا وحدي في هذه الحالة، أم أنّها تلفّ الجميع ولكنهم يدعّون خلوّهم منها ؟ .. أشعر وكأن الجسور بيني وبين الحياة قد انهارت واختفت .. وأنا واقفة على حافّة تلّي، أنظر للناحية الأخرى - حيث الحياة والسعادة – بحسرة وبيننا، هوّة سحيقة .. أين ذهبت الجسور؟ .. أنا متيقنّة من أنّها كانت هنا .. عبرتها مرّة من الناحية الأخرى لناحيتي .. واختفت بعدها. أجد في هذا التصوّر - مع إضافة بعض التفاصيل - نواة للوحة .. لوحة !!! كأنني كان ينقصني هذا ! .. طوفان أفكار للوحات تريد أن ترى النور ولا أعرف كيف أخرجها .. لم أكنّ يوما رسامّة .. ولا أعرف كيف أخلط لونين لأكون ثالثا !! .. تسيطر عليّ اللوحة تماماً .. فأنصرف إلى "كذا لون" القريب من التكعيبة .. أشتري ألوان ماء وكراسة رسم كبيرة .. وأعبر كوبري قصر النيل إلى حديقة الأندلس .. وأجلس في آخرها أرسم هذه الفكرة .. وحين أنتهي منها، تسعدني .. رغم سذاجة ألوانها وخطوطها، ولكنّي سعيدة لتفريغ الفكرة من رأسي ..

والآن ماذا؟؟!!!

أعود للبيت وأغلق أذني عن لوم أهلي وصراخهم .. وأغلق عليّ باب غرفتي وأفتح هاتفي الذي أغلقته طوال هذه الوقت .. أفتح الكمبيوتر وتملؤني الحيرة المعتادة: هل أفتح الفيس بوك أم لا داعي؟ .. ثم أقرر فتحه لأغيرالحالة .. أكتب :" والخامسة كنت غالب .. صبحت أنا المغلوب يا لاللي" .. أدير الأغنية بصوت دنيا مسعود، وأستلقي على ظهري أفكر في اللا شئ .. ثم أنام وأصحو لأذهب للإمتحان وأنا لا أعرف شيئا عن هذه المادّة ..

أعدل عن كل هذه الأفكار .. أكتبها فقط وأعود لأوراق المادّة وأنا أدعي: يارب اهديني يارب .. خلينا نخلص من أمّ ديه كليّة بقى ...

1/2010