Sunday, August 8, 2010

الخيوط إذ تخدعنا .. فننخدع

تأخذنا الحكايات إلى بداياتها. تأخذنا التغييرات إلى حيث التقينا. إلى مبتدأ كُل شئ. نُحاول فك خيوط اللعبة. نبحث عن اللحظة التي تحولت فيها المخططات والمقادير. عن اللحظة التي لم نعد فيها نحن وصرنا آخرين. الخيوط متشابكة. متداخلة بشكل يجعل حلّها أشبه بأمل العثور على الكنز في المكان الذي تعلم علم اليقين أنّك لم تخبئه فيه.

نحاول إيجاد طرف الخيط. نمسك أحد الخيوط عشوائيا. يقنعنا أنّه البداية فنستسلم له. ومع النقدّم وتكشّف الكثير من المستتر، نقتنع أكثر أنه بالفعل الخيط الأساسي، الذي منه انبثقت كُل خيوط الحكايا.

نسير ونسير وقرب الوصول، عندما تلوح لنا رايات النهاية، نسقط من الإجهاد. وعندما نصحو صحوة الموت الأخيرة، وننظر لما وصلنا، نكتشف أنّه ليس خيطنا المنشود. خدعنا. ندعو الله مبتهلين مخلصين له الدعاء أن أعدنا هذه المرة فقط. يالله، مرة واحدة أخيرة. لئن أعدتني هذه المرّة لأبحثن عن الخيط الصحيح. يالله، امنحني القدرة على العودة من جديد. يُشفق الله علينا أن ننتهي، فيستجيب. الله حنّان منّان مُعِزّ. يسقينا ماء الصحو فنعود مرة أخرى يمزقنا الشوق إلى بدايات الخيط الحقيقي. ونُقسم في كل مرّة أنّها آخر مرّة. أننا سنتريث المرّة القادمة. سنفكر. لن ننخدع بهذه السهولة. وما ان تظهر الخيوط أمامنا حتّى ننسى كل شئ، ونندفع وراء حنينا المرَضيّ المتوغل، فنمسك خيطا آخر.

في إحدى مرّات دعائنا، مُخلصين الإيمان موقنين في الإجابة، وعندما انفتحت في السماء فرجة صغيرة لتسمح بعبور الدعوة، يعبر إلينا ملاك من ملائكة الله. يُنبهنا أننا نتسرّع. يقول أن قد غرتكم الأمانيّ ونسيتم الحق فأنساكم أنفسكم. ولكننا لا نلقي له بالا. نتهم الملاك بالغيرة منّا، إذ يمنحنا الله - من دونه - من بعد سقطاتنا بدايات جديدة ويبدّل خوفنا أمنا ويرزقنا خيوطا من حيث لا نحتسب. ينصرف الملاك باكيا يشكو إلى الله عنف الإنسان وحماقته.

نسير ونسير، نتعثّر في الخيوط ونستسلم لغواية الانحداع. نظل نبحث وراء كل الخيوط. نلهث وراءها. تلفنا الخيوط ونتوه في مداراتها وجدائلها.

ذات مرّة، نصحو صحوة الموت الأخيرة لنرى أنّه الخيط الخطأ كالعادة. فلا نندهش ولا ننزعج. نبتهل إلى الله مرة أخرى. لكن الملاك الحزين يخبرنا أن يا انسان قد أنفذت محاولاتك. ندعو: يالله .. لم يبق إلّا خيطا واحدا. هو الخيط الصحيح. دعنا نعُود لنختاره. يالله ارحمنا. الله قادر قاهر مُذلّ، يغلق سماواته دوننا. نلتفت إلى الملاك: أيا أيّها الرقيق النقي .. نجنا مما نحن فيه .. اشفع لنا عند ربّك فإنّك بلا خطيئة. يُجيبنا بأن لي خطيئة .. إذ عبرتُ من فرجة السماء إليكم دون إذن بارئي. ويكفكف دمعه ويرحل عنّا ليعبر من فتحة السماء الضيقة قبل أن تنغلق. قبيل انطباقها، يُسمع صوتً مُدوّي: أن يا انسان .. قد كذبّت الرؤيا .. وأبكيت الملائكة .. وما ظلمناكم ولكن كنتم أنفسكم تظلمون.

يالبؤسي .. قد اخترت كل الخيوط عدا الخيط الوحيد المؤدّي. قد أضعت كُل محاولاتي ولم أصل لشئ.

وإذ أنا في سكرتي، والدمع يُغرق المكان حولي، أرى فيما يرى الميّت، خيوطي التي اخترتها تأتي إليّ. أخشاها. أرتعد. أحاول الفرار فلا أفر. أحاول الصراخ فلا أصرخ. تلتف الخيوط حولي، تحيط بي. تلفني كالشرنقة للدودة الوليدة. أنا مت فكيف لي أن أولد من جديد؟ يجيبني العدم أن اصمت وارضخ. أختنق داخل الشرنقة. أموت في الموت مرّة أخرى. وأصحو من ميتتي هذه لأجد الشرنقة قد تحطمّت. أحاول الطيران فلا يسعني قبري.

يسألني الشيطان روحي/ خيوطي مقابل أن يحييني فأرفض. ثم أقبل. ثم أرفض. وأقبل في النهاية. الرَجيم أقنعني. أخذ روحي وعدت إلى الحياة دونها. بحثت عن الخيط الوحيد المتبقي ووجدته. لم يوزعوه في الميراث إذ لاحاجة لأحد فيه. أتعقبّه وأسير وراءه لأجده يُفضي إلى الموت المسالم. أرضى بهذا الخيار متعبا. أحاول الموت مرارا فلا أمت. أعيد المحاولة ولافائدة. يرفض الشيطان أن يعطيني روحي التي أخذها لأموت بها. حتّى بعد أن عرضت عليه الخيط الأخير مقابلها.

ألا لعنة الله على الخيوط جميعا .....

No comments:

Post a Comment