Friday, January 15, 2010

ملابسات يوم طويل يسبق امتحاناً

أجلس على المكتب أتأمّل أوراق مادّة سأمتحنها صباح الغد. أفكّر بأنّه ليس الوقت المناسب إطلاقاً للإمتحانات. وخاصّة في كليّة مثل هذه الكليّة الحقيرة. و أووووووووووووووووف ...

تملؤني الرغبة في أن أستلقي على كرسيّ في البلكونة أتلذذ بشرب كوب قهوة – من البن العبقريّ الذي اشتريته – وأقرأ رواية عبقريّة، رأيتُ رام الله أو حتّى أعيد قراءة عشّاق خائبون .. وأستمع في هذه الأثناء لموسيقى عبقرية، سعاد ماسّي أو الشيخ إمام. وثم وبعد انتهائي من القهوة، أنتقل لمشاهدة فيلما على الكمبيوتر، أشاهد فيلما ايرانياً أو إيطالياً .. ثم أعيد مشاهدة كازبلانكا .. وأسمع أغنية
As time goes by
سبعين مرّة .. وعندما أنتهي، أرتحل إلى شوارع وسط البلد ..

أدخل سينما .. "بالألوان الطبيعية" للمرّة الثانية .. أو عصافير النيل إن كان معروضاً .. وأنطلق للتكعيبة بعدها، أحتسي شاياً بالحليب أسقّي فيه البسكوت بإستمتاع طفولي بحت .. ثم ألتقي بمن ألتقي بهم على التكعيبة .. أسمع طرطشات حديث عن أشياء عادية، وسخيفة أحيانا .. وأنشغل عنها بمحاولة كشف ما تخفي عيون هؤلاء الناس .. أبحث منطقهم وأسبابهم .. أتسائل عن المدعّي منهم والحقيقيّ .. وأبحث عمّن لا ينتمي منهم لهذه الأجواء، ولكنّه وجد نفسه وسطها واضطّر لتصديق نفسه ..

عند مرحلة معينة من الكلام، أستأذنُ في الإنصراف وأذهب إلى "البورصة" لأتابع مباراة كرة قدم بين فريقين افريقين لا تهمنّي نتيجتها في شئ .. أسمع أحد الجالسين يتحدّث في شماتة ظاهرة عن خسارة الجزائر لمباراتها الأخيرة .. فأترك المباراة لأنشغل بنفسية المصريين .. كيّف يفكرّون وكيف يتصرفّون تجاه المواقف .. وكيف أننا شعب لا يمكن التنبؤ بردّ فعله .. وأننا شعب غلبان ومسكين جدّا في النهاية .. حتّى لو ثار يعود للهدوء بعد قليل وكأن شيئا لم يكن .. شعب يمكن الضحك عليه بكلمتين منمقتين أوعلاوة في أسوأ الظروف ! ..

أملّ المباراة، فأقرر الذهاب للزمالك سيراً على الأقدام .. وعندما أصل، أدخل إلى الساقية .. أتفقد القاعات فلا أجد شيئا ذا قيمة يمكن حضوره .. أقابل صديقا قديما .. يرحبّ بي بشدّة وأجاهد في البحث عمّا يمكن قوله، فأفشل .. أنظر إليه وفي عينيّ رجاء أن يفتح حوارا، فيسألني عن سبب مجيئي للساقية فأخبره أنه لا شئ .. فيخبرني أنّه هنا مع المكتبة التي يعمل بها حيث يقيمون حملة دعائية .. أسرح من كلامه لأحقد عليه .. تخرّج ويعمل وفي مكتبة ويخرج في حملات دعائية ويقابل أًصدقاء قدامى ويعرف كيف يرحب بهم وكيف يفتح معهم حوارا !! ياله من محظوظ ! .. استأذنني في الإنصراف حتّى لا يفتقده رئيسه .. إذن فهو من الأهمية حتّى يفتقده رئيسه كذلك !! ..

أودعّه وأدلف لإحدى القاعات لأجدهم يعرضون فيلماً قصيراً، وسيئاً للغاية ! .. وقف مخرجه في نهاية القاعة فخوراً منفوشا كديك رومي في موسم التزواج .. ابن المحظوظة هو الآخر ! .. أتأمل العدد الكبير من الحضور الذين يبدو واضحا عليهم الجهل ... الفيلم سخيفا ومملا لمرحلة لا تطاق، فلماذا إذن يشاهدونه بهذا التركيز؟ .. انصرفت عنهم للبحث وراء فكرة إن كان هذا المخرج لا يعرف حقّا – بهذه الإبتسامة المنتشيّة - أن فيلمه سيئ ؟! من أين يأتيه هذا اليقين في ما يقوم به؟ أم أنّ فيلمه جيّد وأنا الشخص الوحيد في العالم الذي لا يفقه شيئا ويقضي حياته متصنعا التأمّل والفهم؟ .. أعطي للفيلم فرصة أخرى وأركّز مع أحداثه ... لا لا، سيئ بحق ! .. أفكّر في أن أغادر القاعة، ولكنّي أخشى أن يحرج هذا المخرج .. وهل يستحق هذا المنفوش ابن المحظوظة هذه الخشيّة؟ .. أفكّر في السبب وراء فعل ما .. هل نفعل الشئ للفعل نفسه ونتائجه أم نفعله بإيعاز من الظروف والملابسات التّي تحيط بالفيلم؟ .. لو كان الفيلم جيّد والمخرج معروف وأنا أرغب بشدّة في تناول كيس شيتوس، هل كنت سأخرج؟ .. أيهما أصحّ أخلاقيّا؟ .. أفكّر في المعيار الأخلاقي الذي أبني عليه .. ولكنّي أفيق على صوت تصفيق الحضور وانتهاء الفيلم .. الحمد لله !

في تترات الفيلم، أرى اسم المخرج .. آهااااااااااا .. ابن صحفيّ كبير هو .. وتخرّج من معهد السينما .. كنت على حق .. هو ابن محظوظة فعلا ! .. أندفع للتفكير في أنّ هؤولاء الذين يولدون لأقرباء من هذا الوسط، نادرا ما نجد فيهم موهوبا مختلفا بحقّ .. قد يعيش عمره كلّه ثم يكتشف في النهاية أنّ مكانه كان في مدرجات كليّة الطب ومشرحة القصر العيني .. مساعدة أقربائهم لهم تضيعّهم .. وحتّى المتميزون منهم يكون عليهم – مع هذا – بذل مجهود كبير لإثبات تميّزهم بعيدا عن مساعدة ذويهم .. ولكنهم على الأقل يوفرون عناء البحث عن بداية الطريق بأنفسهم .. ولكنّ البحث عن بداية الطريق هو أهم جزء من الطريق نفسه .. وهم يخسرون بهذا قيمة كبيرة جدّا ... أيّأ كان !!!!!! .. الفيلم كان سيئا .. والمخرج ابن محظوظة وربما ابن كلب كذلك !! ...

تأخذني قدميّ إلى "ديوان" الزمالك .. أقف قليلا بمجرّد الدخول .. ويأخذني صوت كاميليا جبران إلى عالمها .. ثم أنتبه إلى الكتب الكثيرة المتراصّة .. أمسك كل كتاب وأقلبُه لأرى سعره .. ثم أقرأ اسمه واسم كاتبه بعدها .. أشتري "فردوس" لـ "محمد البساطي" بثلاثة جنيهات .. وأقرر العودة لشوارع وسط البلد عبر الكوبري لأتمشّى على النيل.

أذكر أنني في وقت مضى، كنت أحب البحر أكثر من النيل .. كنت أشعر به أكثر بهجة وكانت كآبة النيل تخنقني. ولكنّي لم أعد أحبّ البحر بذات القدر .. عشقت سكون النيل ووضوحه أمام ذاته .. البحر طوال الوقت غاضب .. ينشغل عن بحث أسباب غضبه بالغضب نفسه .. وحتى في أوقات صفائه، منفعل .. النيل هادئ يتأمل في صمت. النيل عرِفَ، فلم يجد سببا للفرح .. يبتسم ابتسامات صغيرة تحرّك أمواجه برفق. البحر مازال جاهلا .. النيل حملَ هموم العالم وحزنه وهموم الواقفين حوله يتأملونه في صمت .. البحر طرد كل شئ مع أمواجه إلى الشاطئ .. النيل ذاتيٌّ جدّا، منغلق على نفسه .. يمرّ ببلاد سمراء كلّها .. أنهكتها الشمس والفقر والهموم .. وارتبطت ببعضها بهذا الشريان الأسود .. خيط رفيع على الخريطة .. ومع ذلك، مروره في بقعة ما، يحمل معه إليها الخيّر والخصب والنماء .. النيل يصمت عمّا يُلقى فيه .. وحتّى ثورته في الفيضان، تحمل يعدها خيّر أكثر؛ يكفّر به عن هذا الغضب .. البحرُ منتشر .. عوْلَميّ .. يربط بلادا لا تربط بين شعوبها هموم مشتركة .. واسع جدّأ .... ومالح .. لا تُشرب مياهه إلّا بعد مجهود في تنقيتها .. ويظلّ لها طعم الحسرة .. وفوق كلّ هذا، لا يحفظ سرّا في أعماقه ..

أفكّر في أن هذه الأفكار حول البحر والنيل تصلح كنواة لقصيدة سأكتبها عندما تكتمل في داخلي .. أغمض عينيّ وأتمنى أن أركب مركبا من مراكب الفراعنة يأخذني في رحلة من منابع النيل إلى مصبّه .. شريطة أن أكونَ فيه وحدي ..

أعود إلى التكعيبة، فأجد ذات الحوار الذي تركته من أربع ساعات .. أنشغل عنهم بسؤال نفسي عن سر هذه الوحدة والغربة التي تملؤني .. ولماذا أِرى أن الحياة سيئة إلى هذه الدرجة؟ وهل أنا وحدي في هذه الحالة، أم أنّها تلفّ الجميع ولكنهم يدعّون خلوّهم منها ؟ .. أشعر وكأن الجسور بيني وبين الحياة قد انهارت واختفت .. وأنا واقفة على حافّة تلّي، أنظر للناحية الأخرى - حيث الحياة والسعادة – بحسرة وبيننا، هوّة سحيقة .. أين ذهبت الجسور؟ .. أنا متيقنّة من أنّها كانت هنا .. عبرتها مرّة من الناحية الأخرى لناحيتي .. واختفت بعدها. أجد في هذا التصوّر - مع إضافة بعض التفاصيل - نواة للوحة .. لوحة !!! كأنني كان ينقصني هذا ! .. طوفان أفكار للوحات تريد أن ترى النور ولا أعرف كيف أخرجها .. لم أكنّ يوما رسامّة .. ولا أعرف كيف أخلط لونين لأكون ثالثا !! .. تسيطر عليّ اللوحة تماماً .. فأنصرف إلى "كذا لون" القريب من التكعيبة .. أشتري ألوان ماء وكراسة رسم كبيرة .. وأعبر كوبري قصر النيل إلى حديقة الأندلس .. وأجلس في آخرها أرسم هذه الفكرة .. وحين أنتهي منها، تسعدني .. رغم سذاجة ألوانها وخطوطها، ولكنّي سعيدة لتفريغ الفكرة من رأسي ..

والآن ماذا؟؟!!!

أعود للبيت وأغلق أذني عن لوم أهلي وصراخهم .. وأغلق عليّ باب غرفتي وأفتح هاتفي الذي أغلقته طوال هذه الوقت .. أفتح الكمبيوتر وتملؤني الحيرة المعتادة: هل أفتح الفيس بوك أم لا داعي؟ .. ثم أقرر فتحه لأغيرالحالة .. أكتب :" والخامسة كنت غالب .. صبحت أنا المغلوب يا لاللي" .. أدير الأغنية بصوت دنيا مسعود، وأستلقي على ظهري أفكر في اللا شئ .. ثم أنام وأصحو لأذهب للإمتحان وأنا لا أعرف شيئا عن هذه المادّة ..

أعدل عن كل هذه الأفكار .. أكتبها فقط وأعود لأوراق المادّة وأنا أدعي: يارب اهديني يارب .. خلينا نخلص من أمّ ديه كليّة بقى ...

1/2010

4 comments:

  1. بس دى اعصاب قوية جدا ان الواحد يقدر ينام و هو رايح امتحان مش مذاكر لة

    تمنياتى بالنجاح

    ReplyDelete
  2. b3edan 3an en el kalam sa7er w bgd shdani gdnnnn
    w bgd mostwa ra23..

    Bassam :)

    ReplyDelete
  3. أكتر حاجة عجبتنى الجزئية الخاصة بالنيل والبحر
    الجزء ده لوحده عبقرى

    ReplyDelete