Friday, February 26, 2010

رسائل

سُئلت مرة وأنا صغير ماذا تريد أن تكون؟ قلتُ أريد أن أكون كاتبا. والآن وأنا في منتصف العمر لو سُئلت ماذا أنجزت؟ لقلتُ بإعتذار شديد: أريد أن أبدأ من جديد. ولربما تمنيتُ البداية من جديد ليس للسير في طريق آخر بل لإختيار الطريق ذاته لكن بتعديلات طفيفة يفرضها عليّ المرض ويعول عليها في بلوغ كمال هو عربون ضمان قبل أي بداية.

أنطق كلمة بصوت مسموع من المفترض أن تكون ردّا على كلمات لكِ سابقة ولاحقة. كلمة واحدة أنطقها وأنا مغمور في أعمال منزلية. الكلمة جامعة مانعة تصلح للرد على كلِ كلماتِك، إذ سيكون من الجنون أن أنطق أكثر من كلمة على مسمع من الصمت.

لم أكن أتخيل وأنا صغير أنني سأقع في كل كليشيهيات الكاتب التي قرأتُ عنها بشغفٍ وتمنيتها بسذاجة وكأنها كانت تمثل لي تذكرة دخول وجرن معمودية الأدب. الوحدة، الخوف، السوداوية، النفور الشديد من المسؤولية، المرض، التفكير في الموت، الإخفاق في الحياة، الولع بالحب والفشل، قائمة طويلة تعود دائما بتوزيع مختلف، نوتة واحدة، وسولوهات عديدة. والسؤال المعذِب والمدوِّخ للروح. هل كان هذا الوقوع حتميا ولا مفر منه؟ وإذا كان، هل هذه ضمانة يمكن الوثوق بها للوصول إلى فنيّة التعبير؟وهل تلك الفنيّة مرتبطة بصدق الكليشيهات نفسها ومدى الانغماس فيها؟ وهل هذا الانغماس حُجة على فنيّة التعبير؟ أليس هناك كثيرون مروا بمرض نيتشه لكنهم لم يعبروا مثله؟ ألا يصح كما يقول نيتشه بأنه من داخل المرض يأتي التعبير عن عنفوان الصحة البدنية والعقلية؟ ولكن ألا يهدم كتاب نيتشه "هذا هو الإنسان" مقولته عن الصحة التي تشدق بها؟ وأين نضع البارانويا المخيفة في هذا الكتاب موضع الصحة؟ السؤال لا ينتهي والجواب محال.

مريم.. لستُ مقتنعا بهذه الكلمات، لا تقولي الضد، فأنا أوجد على هامش ما أنتمي إليه كما يقول بيسوا، وإن أظهرت لكِ الجدل مرارا، فهذا بدافع الحب، فالقناعة مفقودة، والرضا غائر، وأنا هنا وأنتِ هناك.

الرسائل - مصطفى ذكري

No comments:

Post a Comment