Saturday, August 28, 2010

أربعة أحلام قد يكون بينهم رابط ما


(1)
الأرض مصقولة، وجليدية. برودتها وصلت إلى حد أن أفقدت أعصاب قدمي الإحساس بأي شئ فتصلبت. ملساء جدّا، وعليها بضع قطرات ندى تجعلها زلقة.المشهد كُلّه يُغلفّه الصقيع بزرقة بينّة. وأنا أسير بلا حذاء. أخشى الإنزلاق.أرفع إحدى قدميّ بصعوبة وأُحركها قليلا للأمام ثم أضعها بصعوبة أكبر، لأرفع الثانية. الطريق أمامي لامع ولا تظهر نهايته.
من بعيد أسمع دقّات طبول الحرب، بطيئة، رتيبة، وحاضرة بقوّة. "دُم دُم .. دُم" .. "دُم دُم .. دُم". يُشتت صوتُها تركيزي وأتلفّت بحثا عن مصدرها ولكنّي أنتبه إذ كنت على وشك الإنزلاق وبالكاد تمالكت نفسي. أسمع وسط دقّات الطبول أنين ناي هادئ. يظهر ويختفي. يظهر ويختفي. أشرد معه في محاولة الإمساك بلحنه، فتزل قدمي وأنزلق. يرتطم ظهري بالجليد البارد فأغمض عينيّ.
أفيق برعشة في أسفل ظهري. وألم في كل مكان.
***
(2)
هذه المرّة كان الظلام. لا أرى إلّا كفيّ يدي وألمح طرف أنفي. وفي الخلفية يظهر صوت الناي بعيدا. أتلفت بحثا عن أي مصدر نور فيطالعني الوجه الذي أعرفه. لا يظهر إلّا وجهه وكفيّ يديه ويغرق باقي جسده في الظلام. يُقطّب حاجبيه ويمّط شفتيه لأعلي قليلا ، ثم يفردهما حتّى تظهر أسنانه فيما يشبه الإبتسامة –وليست بالإبتسامة- وتضيق حدقتا عينيه وهو يشير بطريقة العارف الذي سيقر أمرا. ثم يتكلم فلا أسمع شيئا. أبحلق في وجهه وشفتيه بلا تعبير واضح. أطرقع بيديّ جانب أذني فأسمع الصوت. ألوّح له أنني لا أسمع فيمتعض ثم يسكت. أعيد طرقعة الأصابع مرّة أخرى وألوّح له بعلامة النصر وأفهمه بالإشارة أن يفعل المثل. يطرقع بإصبعيه فأسمع. وألوّح له بالنصر في عدم فهم. يشيح وجهه ويأخذ نفسا عميقا ثم ينظر لي مرّة أخرى. يعيد طقوس الحاجبين والشفتين مرّة أخرى ويبدأ الكلام. ومن جديد لا أسمعه فأغمّض عينيّ.
وأصحو من النوم بصداع هائل وأطراف جمل بصوت لا أعرفه ترنّ في أذني.
***
(3)
الآن، الصحراء. جبل شاهق من الرمال. الحرارة لا تحتمل والأصفر يصبغ كل شئ. قُرص الشمس ينتصف تماما فوق قمّة الجبل. أنا في سفح الجبل أحاول الوصول لقمته. الرمال ناعمة جدّا تفر من تحت قدميّ، وثمة حشرات صغيرة لزجة تنطلق هاربة من كل بقعة أطأها بقدمي.
من بعيد أسمع طبول الحرب. بطيئة، رتيبة، وحاضرة بقوّة. "دُم دُم .. دُم" "دُم دُم .. دُم". أتلمّس صوت الناي فلا أجده. أُحاول تذكّر لحنه فأنشغل عن الرمال. تطأ قدميّ بقعة مُخلخلة فتزلّ. أنظر للشمس البعيدة وأنا أهوي فتبعُد أكثر. الجبل ينهار وأُدفن تحته. فأغمض عينيّ.
أصحو وجسدي مُلتهب جدّا تنتابه حكّة مؤلمة. وأشم رائحة رمال في أنفي تزكمه.
***
(4)
ذات الظلام، وذات الوجه. والناي يئن من بعيد. ضيّق بين حاجبيه ومطّ شفتيه ولوّح إيذانا ببدء الإقرار. وقبل أن يبدأ بالكلام، أغمضت عيني.
ولمّا أفقتُ كنت قد حفظتُ لحن الناي فرُحت أُدندنه لنفسي.

2 comments:

  1. إزاي دي ؟ :)
    عجبتني جدا خصوصا 3 و 4
    وكمان النهاية بقي مش عارف أوصفها يعني
    أحييكي جدا عليها
    نهاية عبقرية جدا جدا

    ReplyDelete
  2. يقولون أن الأحلام تنفيس لعجز في الواقع .. أو مردود لتصورات في العقل الباطن

    وحدها الرؤى هي من تتنبأ بالمستقبل .. و لها شروطها التي تحدد صحتها من كونها مجرد هذيان

    الصحراء .. الجليد .. اللامتناهيين .. هما صورة أخرى للظلام الدامس

    ففي كل أنتِ فاقدة الإحساس بالمكان

    الطبول .. الناي .. طرقعة الأصابع ..

    أنتِ تسمعين الضربات القوية .. التحذيرية ربما أو ربما هي احتفالية أو ربما تهربين بها عن سماع "كلام الناس" .. هذا الكلام الذي فيما يبدو شبيه بالنصائح أو التدخل في شئونك بشكل أنتِ تعلمين أنه صحيح و لكنك تصمين عنه الآذان

    الانزلاق .. السقوط .. الحشرات ..

    إنها عاقبة ما تظنينه تجاهل للطبول التحذيرية أو النصائح الموجهة إليكِ

    أن تستيقظي شاعرة بالآلآم أو تشتمي رائحة الرمل أو خلافه .. فهو من بديع تصوير العقل .. فقط إنها المؤثرات الحسية التي يضيفها العقل للحلم ليصبح أقرب إلى الواقع

    و تبقى لي كلمة .. أنا لست مفسراً للأحلام و لم أقرأ يوماً عن هذا العلم .. فقط أنا أبحث عن صلة الربط

    استمتعت جدا باسلوبك كالعادة .. و أتمنى لك كل خير

    و ختاماً .. لكِ ألف سلام

    ReplyDelete